خليل الصفدي

381

أعيان العصر وأعوان النصر

وكان ابن حلاوات قد داخل نوّاب صفد كثيرا ، ويقع بين النواب وبين تنكز ، وعزل جماعة منهم ، ثم لما جاء إليها الأمير سيف الدين أرقطاي نائبا وقع بينهما ، واتصلت القضية بالسلطان ، وهي واقعة طويلة ، فردّ فيها الأمر إلى تنكز ، فطلب ابن حلاوات إلى دمشق ، وقد امتلأ غيظا عليه ، ولما دخل عليه ، رماه بسكين كان في يديه ، لو أصابته جرحته ، أو قضت عليه ، ورسم علي وصادره ، فوزن ثمانية آلاف درهم ، فسعى له الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب ، والقاضي علاء الدين بن الأثير مع السلطان ، واتفق أن مات موقع طرابلس في تلك الأيام ، فما كان بعد ثمانية أيام تقريبا ، حتى جاء البريد بالإفراج عنه ، وإعادة ما أخذ منه ، وهذا أمر ما اتفق لغيره في تلك الأيام ، وتجهيزه إلى طرابلس موقعا ، وكان المرسوم مؤكدا ، فما أمكن تذكّر إلا اعتماد ما رسم به في حقه ، وتوجّه إلى طرابلس رئيس ديوان الإنشاء ، ودخلها في مستهلّ جمادى الأولى سنة تسع عشرة وسبعمائة ، وأقام بها في وجاهة ، ورياسة وحرمة وافرة ، إلى أن توفي - رحمه اللّه تعالى - في التاريخ المذكور . وكان يعرف النجامة ، وعلم الرمل جيدا ، ويدّعي أنه من جماعة الشيخ محيي الدين بن عربي « 1 » ، وينتمي إلى مقالته ، ويرى رأيه في الوحدة ، ولم يتفق لي به اجتماع خاص ، بل رأيته غير مرة ، وسمعت خطبه كثيرا . وأخبرني من رآه ، أنه كان يتعذّر علي كتابة اسمه عمر ، فيكتب صورة نمر ، ثم بعد ذلك يركب عليها حرف العين ؛ لتتكمل له صورة عمر . ولما ورد في تلك المدة إلى دمشق دخل الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم إلى الأمير سيف الدين تنكز ، وشكى منه شكوى بالغة ، وقال : يا خوند ! هذا فعل بي هذا ، اعتمد معي هذا حبس أولادي في قلعة صفد وقيّدهم ، وزاد في ذلك ، ثم إنه بعد ذلك اجتمع بقاضي القضاة نجم الدين بن صصرى ، فقال له : يا شيخ شهاب الدين ! أنت من بيت فقراء وصالحين ، وهذا الذي فعلته بهذا المسكين ابن حلاوات بين يدي هذا الملك الجبار ما كان يناسب طريقك ، فقال له : يا مولانا قاضي القضاة ، لا تكن حليما عند غضب غيرك ، هذا حط رجلي في المعصار وعصرني ، ولو كان ذلك على حوافر بغلتك ضرطت نارا . وكان قد كتب إليه شيخنا نجم الدين كتابا ، يحرّضه عليه فيه ، ويغريه به ، ومنه :

--> ( 1 ) ابن عربي هو : محمد بن علي بن محمد بن العربي ، أبو بكر ، الحاتمي الطائي ، الأندلسي ، المعروف بمحيي الدين ابن عربي ، الملقب بالشيخ الأكبر ، ولد سنة 560 ه وتوفي في سنة 638 ه . سبق ذكر ترجمة له . ( انظر : دائرة المعارف الإسلامية : 1 / 231 ) .